حسن بن موسى القادري

330

شرح حكم الشيخ الأكبر

وقال أيضا : تمسّك بأذيال الهوى واخلع الحيا * وخل سبيل النّاسكين وإن جلوا مع أن ترك الزهد والعبادات والتّقى مذموم مذهب للدين ، لكن المراد عدم الوقوف مع الأعمال والالتفات إليها ، وإلا فالمنقول منهم كثرة المجاهدات والرياضات والتقوى والزهد والحياء ، فتأمل فاعتقد أو سلم ولا تنكر ، وإلا فتسقط عن رعاية الحق تعالى ، وتستوجب مقته وذلك ؛ لأن علوم القوم لا تقبل المنازعة لكونها وراثة نبوية ؛ ولأنها مواجيد لا نقل فهم يخبرون عن معاينة ومشاهدة ، فلا يجوز للسامع إنكاره مع أن العاقل ينكر الإنكار ، فإن كنت مريدا فالتصديق والاعتقاد ، وإن كنت أجنبيا فالتسليم ، فلنرجع إلى ما نحن بصدده . ( فالحجب ) حجاب تعمّ النفس وحجاب القلب والروح والسرّ ، والمراد بإزالة الفتح الإلهي المراد به كشف الحجب حيث أطلق ، وأما الشهرة فتورث ما هو كالنار المحرقة للأعمال وهو العجب ، ولهذا قيل : إن في الشهرة آفة بل آفات ، وأيضا من أخلاقهم ترك طلب الرئاسة ؛ لأن طلبها رأس حب الدنيا ، ومن أحبها لم يرتفع أبدا ، وإن الشهرة تستلزم كثرة مخالطة الناس ، ومن أكثرها خرج من طريق السلف ، وهان في عيون الناس ، وأيضا لا يمكن له مجلس خال عن الغيبة إلا قليلا ، وقد قيل : الراحة في هذا الزمان لا تكون لأحد من المؤمنين إلا إذا كان خامل الذكر بين الناس ، وقال أبو الدرداء رضي اللّه عنه : « من خالط الناس فلا بد أن يخربوا قلبه » . وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : « خير جلوس الرجل في قعر بيته لا يرى أحدا ، ولا يراه أحد » لكن هذا إذا كان طالبا للشهرة والرئاسة ، وأمّا إذا اشتهر من اللّه تعالى بين الناس من غير طلب منه ، أو أعطى إليه شيء من المناصب مثل الوظائف أو الإمامة أو الخطابة أو غير ذلك ، ولا يأكل من معروفها ومعلومها شيئا ، أو يأكل قدر سد الرمق ، فلا تضره الشهرة ولا الرئاسة ، ومع هذا فالخمول أسلم وأحسن من الاشتهار وإظهار الأحوال ؛ لأن الحق تعالى سترهم عن أعين الخلق رحمة بالخلق ، كما قاله الشيخ الأكبر رضي اللّه تعالى عنه ؛ لأنهم لو كانوا ظاهرين بين الناس ، وأذاهم أحد لكان قد بارز اللّه تعالى بالمحاربة فأهلكه اللّه ، فلا يكون ظهورهم إلا من حيث ظاهر علمهم وإمّا سرّ ،